عبد الملك الثعالبي النيسابوري
238
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
عجبا ممّن تعالت حاله * فكفاه اللّه زلّات الطلب كيف لا يقسم شطري عمره * بين حالين نعيم وأدب وكان يتعصب لآل بويه تعصبا شديدا ، ويغض من سلطان خراسان ويطلق لسانه بما لا يقدر عليه ، إلى أن كانت أيام تاش الحاجب ورجع من خراسان إلى نيسابور منهزما ، فشمت به وجعل يقول : قبحا له وللوزير أبي الحسن العتبي ، فأبلغ العتبي أبياتا منسوبة إلى الخوارزمي في هجائه ولم يكن قالها ، منها [ من البسيط ] : قل للوزير أزال اللّه دولته * جزيت صرفا على قول ابن منصور فكتب إلى تاش في أخذه ومصادرته وقطع لسانه ، وإلى أبي المظفر الرعيني في معناه ، وكان يلي البندرة بنيسابور إذ ذاك ، فتولى حبسه وتقييده وأخذ خطه بمائتي ألف درهم واستخرج بعض المال وأذن له في الرجوع إلى منزله مع الموكلين به ليحمل الباقي ، فاحتال عليهم يوما ، وشغلهم بالطعام والشراب وهرب متنكرا إلى حضرة الصاحب بجرجان ، فتجلت عنه غمة الخطب ، وانتعش في ذلك الفناء الرحب ، وعاود العادة المألوفة من المبار والأحبية واتفق قتل أبي الحسن العتبي وقيام أبي الحسن المزني مقامه ، وكان من أشد الناس حبا للخوارزمي ، فاستدعاه وأكرم مورده ومصدره ، وكتب إلى نيسابور في ردّ ما أخذ منه عليه ، ففعل وزادت حاله وثبت قدمه ، ونظر إليه ولاة الأمر بنيسابور بعين الحشمة والاحتشام والإكرام والإعظام ، فارتفع مقداره وطاب عيشه ، إلى أن رمي في آخر أيامه بحجر من الهمذاني الحافظ البديع ، وبلي بمساجلته ومناظرته ومناضلته ، وأعان الهمذاني الحافظ البديع عليه قوم من الوجوه كانوا مستوحشين منه جدا ، فلاقى ما لم يكن في حسابه من [ مباراة المزني وقوته به ] وأنف من تلك الحال ، وانخزل انخزالا شديدا « 1 » ، وكسف باله ، وانخفض طرفه . ولم يحل
--> ( 1 ) انخزل : انقطع وضعف .